ابن عجيبة
494
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ في تلك البيوت ، أمروا بذلك أول مرة لئلا تظهر عليهم الكفرة ويفتنونهم عن دينهم ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالنصر والعز في الدنيا ، وبالجنة في العقبى . الإشارة : اتخاذ الأماكن للعبادة والعزلة مطلوب عند القوم ، وفي الحكم : « ما نفع القلب شئ مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة » ، وأصلهم في ذلك : اعتزاله صلّى اللّه عليه وسلّم في غار حراء في مبدأ الوحي ، فالخلوة للمريد لا بد منها في ابتداء أمره ، فإذا قوى نوره ودخل مقام الفناء ؛ صلح له حينئذ الخلطة مع الناس ، بحيث يكون جسده مع الخلق وقلبه مع الحق ، فإن لله رجالا أشباحهم مع الخلق تسعى ، وأرواحهم في الملكوت ترعى . وقال بعضهم : [ الجسد في الحانوت والقلب في الملكوت ] ، فإذا رجع إلى البقاء لم يختر حالا على حال ؛ لأنه مع اللّه على كل حال ، وهذا من أقوياء الرجال . نفعنا اللّه بهم . ثم ذكر دعاء موسى على فرعون ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 88 إلى 89 ] وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 88 ) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 89 ) قلت : اللام في ( ليضلوا ) لام كي ، متعلقة بآتيت محذوفة ، أو بالمذكورة ، ولفظ ( ربنا ) تكرار ، أو تكون لام الأمر ، فيكون دعاء عليهم بلفظ الأمر ، بما علم من قرائن أحوالهم أنه لا يكون غيره . فَلا يُؤْمِنُوا : جواب الدعاء ، أو عطف على ( ليضلوا ) . يقول الحق جل جلاله : وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً : ما يتزين به من الملابس والمراكب ونحوها ، وَأَمْوالًا : أنواعا من المال فِي الْحَياةِ الدُّنْيا استدراجا ، رَبَّنا آتيتهم ذلك لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ طغيانا وبطرا بها ، وصرفها في غير محلها ، أو ربنا اجعلهم ضالين عن سبيلك ، كقول نوح عليه السّلام : وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا « 1 » لما أيس من إيمانهم ، رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ أي : أهلكها وامحقها ، وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ بالقسوة ، واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان ، فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ أي : إن تطمس على أموالهم وتشدد على قلوبهم لا يؤمنوا إلا قهرا .
--> ( 1 ) الآية 26 من سورة نوح .